يصدح صوت فيروز في معرض الكتاب في بيروت، من مدخل المقهى يرتفع الصوت قليلاً، وكلما اقتربت من دار نشر ما يزيد الصوت ارتفاعاً، في قهوة عالمفرق في موقدة وفي نار، كنا أنا وحبيبي نمليها بالأزهار»، الله على هذا الصوت الجميل،

 

يصدح صوت فيروز في معرض الكتاب في بيروت، من مدخل المقهى يرتفع الصوت قليلاً، وكلما اقتربت من دار نشر ما يزيد الصوت ارتفاعاً، في قهوة عالمفرق في موقدة وفي نار، كنا أنا وحبيبي نمليها بالأزهار»، الله على هذا الصوت الجميل، الذي يتسابق بعد الظهر مع بعض اطلالات الست أم كلثوم، هل تذكر يا صديقي أغنية الأطلال على محور رأس النبع \ المتحف مع كتاب «حرب الغوار» للرفيق أرنستو تشي غيفارا.

مشهد المعرض يتكرر منذ سنوات طويلة، كبر الأطفال وصار الكبار عجزاً، في قاعات البيال أو في السابق في قاعات وزارة السياحة خلال الحرب الأهلية التي «تنذكر وما تنعاد». يتغير الناس، ولكن بعضهم لا يغيب كل عام عن المكان.

هنا دار الطليعة، وكتاب «نقد الفكر الديني» لصادق جلال العظم، وكتاب أدونيس العكرة، «عندما صار اسمي 16»، وبعده مؤسسة الأبحاث العربية التي تبيع من مستودعاتها ما تبقى من أحلام ثورات العالم، وروايات تحكي حال الثورة في الستينات.

إذاً، صوت فيروز وغزارة المطر والعواصف والبرد المرافق لها في الخارج، وضجيج في المقهى الصغير الذي يبيع فناجين القهوة والشاي وعبوات المياه، وكذلك ضجيج بعض الشعراء الشبان الصغار على إحدى الطاولات. يتسابقون لالقاء قصائدهم علّ بعض الجالسين يعرفون أنهم شعراء.

«السيسي» يلقي قصيدة عن مقهى في شارع الحمرا، سيفتتح قريباً، فيرد عليه فاروق، بقصيدة عن رجل وقف على سطح مبنى ورأى الناس صغاراً. ينزل الرجل الطوابق ويصل إلى الأرض ويرى الناس في حجمهم الحقيقي، فيكتشف أنه يعرفهم منذ كانوا بحجم اليد صغاراً، فيصفق الجمهور الصغير لبطل حرب «النقيفة»، ويعلق حسين أن كل الناس أصدقاء فاروق لأنه يعرفهم منذ صغرهم. حسين يحضّر قصيدة استوائية عن حيوانات «الانغوانا»، فيما هيثم يسجل ملاحظات جديدة حول النقد الفني والنقد المعنوي وما بينهما من كرخانات في مدن العالم.

إنه معرض الكتاب نفسه قبل 30 عاماً أو أقل قليلاً، المقهى دائماً يركّب على عجل ليسع الناس إن أرادوا الجلوس في زوايا تتداخل فيها الطاولات، فيصير صوت بكاء طفل مع والدته التي تبحث عن كتب تربية الأطفال إلى جانب الفيروزيات ومعهم حديث عن الأبراج وكتبها هذا العام. في قاعة وزارة السياحة كانت الصورة نفسها مع تغير أسماء الشعراء، وكذلك شبان وصبايا من طلاب كلية الفنون يرسمون الناس الذين يتفاجأون بأشكالهم التي لا تشبه المرايا.

في معرض الكتاب هذا العام حضرت دور نشر قديمة وكذلك دور نشر حديثة، وما بينهما من دور نشر فقدت بريقها وتألقها فأقفلت أبوابها خلال هذه الأعوام الطويلة. دار التنوير في الثمانينات أصدرت كتاب فيلهلم رايش «استمع أيها الصغير»، فاختفت نسخه من المعرض خلال أيام، وبعدها بسنوات اختفت دار التنوير في رحلة إلى دولة عربية لم يأت منها خبر.

دار الكلمة كانت بين أقوى الدور في عرض الروايات والكتب الثورية، فأصدرت في العام 1982 الرواية الأشهر في العالم «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز. طبعت الدار هذه الرواية مرات عدة ، قبل أن تقفل أبوابها، حيث ورث آخرون اصدار الكتب الجميلة ومنها الرواية نفسها التي بالامكان قراءتها بعدة ترجمات.

هنا كان موقع دار ابن خلدون، وكتبه الثورية، والاصدارات المتنوعة في اليسارية وأتباعها، من علم السياسة إلى السوسيولوجيا والتجربة الثورية في نيكاراغوا وبعدها تجربة الرهبان الثوريين في بوليفيا، وحقول الأرز في فييتنام الذي انتصر على «الأباتشي»، والثورة الثقافية عند الرفيق ماو تسي تونغ، وصناعة الألغام للفدائيين لمواجهة العدو الإسرائيلي في الضفة وغزة.

صار للأطفال هذا العام دور نشر متخصصة، هنا كتب فاطمة شرف الدين الملونة والغريبة في عدد من دور النشر، يطغى اسمها عند الأطفال كما كنا نعرف في طفولتنا قصص سوبرمان ونبيل فوزي وبساط الريح وقصص عنتر وعبلة، دار قنبز واللفتة الغريبة للمكان وصناعة «الماريونيت» المتخصص لشابين لبناني وفرنسي، يدوران بين الأطفال فتضيع بصورتهما التي تشبه التحريين مع «تان تان وميلو» ولكن من دون قبعات. وكذلك للمتخصصين بتربية الأطفال كتب «ورشة الموارد العربية» القديمة المتجددة مع أقدم العاملين في المعرض العم ماجد.

هذا العام كتب المناخ لها دور النشر الخاصة بها، واعلاناتها تزيد عن الأعوام الماضية، هنا كتاب «قصة اليوم الأخير للأرض بعد كوبنهاغن»، وهناك «انتحار الفيلة»، و «دلافين تحت مزراب الأطلسي». وكذلك كتب عن «الكنوز البحار، يوم تختفي المياه».

لكل عام في بيروت كتبه الأكثر مبيعاً، غداً توقيع كتاب يحيى، وقبله بأيام توقيع فيديل وفادي وحازم، كتب شعر وسياسة كذلك الروايات، وما يطلبه الأطفال والطبخ للرجال، ولكن الأكثر مبيعاً دوماً هي كتب الحياة الجنسية و«دخول المخدع في الليلة الأولى»، و«معرفة المفتوق من غيره»، وكذلك كتب السحر والأبراج، و «كيف تصير غنياً خلال أشهر».

خلال الحرب الأهلية، كان معرض الكتاب المكان الوحيد الذي لا يدفع خوّة للمقاتلين والمتحاربين في شوارع بيروت، فكل المؤسسات التجارية كانت تدفع للأحزاب ما لها وما عليها، تحت مسميات كثيرة، منها روزنامة العام الجديد والجريدة الحزبية والعدد الخاص من الجريدة الحزبية، وتأمين الطعام للمقاتلين على المحور، وطباعة صور الشهداء، ووضع أعمدة على جانبي الطريق لمنع ايقاف السيارات المفخخة، وغيرها الكثير. إلا معرض بيروت، فلم يكن المشاركين فيه يدفعون أي ضريبة، فالقراء من المقاتلين يستحون من أصحاب دور النشر، ومن لا يهمهم القراءة والكتابة من الميليشيويين يعتبرون هذه الأمكنة رجس شيطاني لا يدخله إلا الفاسدون.

في الحرب «زمط» المعرض من الخوات وكذلك من السلبطة والقبضايات لأنه للكتاب وأكثر المقاتلين كانوا لا يجدون في الكتب ما ينفعهم. عاش فترتها وازدهر لأن الناس لم يكن بإمكانهم الخروج بعد انتهاء أعمالهم، فسلوتهم الوحيدة هي الكتب. خلال الأعوام الماضية كاد أن يموت المعرض مع هبة التلفزيون وفورة الانترنت، صارت ضريبة الكتاب أكبر، أسعار الورق ترتفع في العالم بشكل جنوني، والطباعة أيضاً، فزادت كلفة الكتب في الوقت الذي خفّ الطلب عليها.

العام الماضي وهذا العام اختلفت الصورة قليلاً عن السنوات الماضية، صار معرض بيروت يعجّ بالحركة، حفلة توقيعات كبيرة، ومناطق مخصصة للأطفال يرسمون ويكتبون، وشعارات ودور نشر حزبية وألوان تطغى على الصورة، هنا جلسة نقاش وهناك عرض فيديو، وقصائد محمود درويش تتنافس بين دار العودة بقديمها ودار رياض الريس بحديثها.

المرجع: http://www.almustaqbal.com/v4/article.aspx?type=NP&ArticleID=383812