منذ أن قررت احتراف الكتابة للأطفال، المهنة التي طالما حلمت بها، وأنا أُدهَش بردّ فعل الآخرين على هذه الصنعة:
الآخر 1 : ما هي طبيعة عملك؟
جوابي : إني كاتبة أدب أطفال.
الآخر 1 : ما أظرف ذلك! أكيد عملك سهل.

 

منذ أن قررت احتراف الكتابة للأطفال، المهنة التي طالما حلمت بها، وأنا أُدهَش بردّ فعل الآخرين على هذه الصنعة:

الآخر 1 : ما هي طبيعة عملك؟
جوابي : إني كاتبة أدب أطفال.


الآخر 1 : ما أظرف ذلك! أكيد عملك سهل.

الآخر 2 : ماذا تعملين؟

جوابي : أكتب قصصًا للأطفال.


الآخر 2 : نِيّالِكْ! ما أبسط عملك.

الآخر 3 : ما هي مهنتك؟
جوابي : أكتب للأطفال من عمر صفر إلى ثماني سنوات.


الآخر 3 : ها ها ها... شو cute !

الآخر 4 : ماذا تعملين؟
جوابي : أكتب أدب أطفال.


الآخر 4 : أسألكِ عن جدّ... عملك الحقيقي.

الآخر 5 : ما هو مجال عملك؟
جوابي : أكتب للأطفال.


الآخر 5 : ولما لا تكتبين للكبار؟ أحسن...

هذه نماذج قليلة من ردود الفعل التي أتلقاها من الآخرين حين أُسأَل عن مهنتي.


إنها بمُجملها ردود مؤلمة، ليس بالنسبة إليّ أنا شخصيًّا، بل لأنها تعبِّر عن جهل الناس عامّة بموضوع الكتابة للأطفال وأهمية الكتاب في حياة الطفل. ولْيَكن معلومًا أن بعض هؤلاء الناس هم من أبرز أدباء وشعراء مجتمعنا اللبناني.
أنا لم أقرر الكتابة للصغار عبثًا، أو لأنني أظن أن ذلك أسهل من الكتابة للكبار. حقيقةً، إن حياكة قصة بكل عناصرها لقارئ صغير بلغة مُبسَّطة أصعب بكثير من الكتابة لقارئ متمكن من اللغة والمفاهيم المجازية. فعلى الكاتب أن يأخذ بعين الإعتبار أكثر من عامل حين يقرّر أن يضع على الورقة قصة من خياله يتوجّه بها إلى الصغار. فيجب أوّلاً أن يحدد الفئة العمرية التي يتوجه إليها، وقياسًا على ذلك، يختار أسلوبه والقاموس اللغوي الذي سوف يستخدمه في النص. عليه أيضًا أن يختار مفاهيم تستوي مع قدرات الطفل الذهنية واهتماماته وهمومه الحياتية، وألا يختار صورًا مجازيّة صعبة الإدراك أو حبكة قصة معقدة ومُرْبِكَة. بالإضافة، على الكاتب أن يتحوّل إلى طفل وهو يكتب للأطفال. عليه أن يحاول التّعبير عن أفكاره من منظار الطفل وليس من منظار كبير يتطفّل على حياة الصّغير.

مشكلتنا في العالم العربي أننا تأخرنا كثيرًا في استدراك أهمِّيّة أدب الأطفال في حياة الطفل. لقد ابتدأ الغرب بالإهتمام بهذا النوع من الأدب منذ أوائل القرن الماضي، وبرزت لديه الكتابة المتخصِّصة والطّباعة المتطوِّرة بألوان زاهية ورسوم جميلة منذ أكثر من خمسين سنة. أمّا نحن، في العالم العربي، فلقد بدأنا باستدراك هذا النّقص في أدبنا منذ سنين لا تتعدى العشرين. واليوم، هناك طفرة في إنتاج الكتب الموجهة إلى الطفل من قبل دور نشر لبنانيّة وعربيّة. إنّها حركة جيدة ومشجِّعة، خاصّة أنّ بعض هذه الدور يُصِرّ على أن يكون الرّسامون عربًا وليسوا أجانب، وأن يكون النصّ مكتوبًا بالعربيّة وليس مترجمًا. ولكن رغم هذه الحركة المشجِّعة في نشر هذا النوع من الأدب، يبقى المستوى عامة لا يُقارَن بأدب الأطفال العالمي، ولذلك أسباب عدة؛ أهمّها أن ليس هناك قسم في جامعاتنا متخصّص بتدريس أدب الأطفال. وعلى ما أعلم هناك جامعة واحدة في لبنان تقدّم اختصاصًا في الرسم كتصوير للنّص، أيْ illustration.
لذلك، على كلِّ كاتب أو رسّام ينْوي احتراف هذه المهنة أن يُثقِّف نفسَه بنفسِه عبر الإطلاع على الكتب المتخصّصة في دراسة أدب الأطفال، والأهم من ذلك، قراءة كتب الأطفال العالميّة والتعرّف إلى أبرز كتّاب هذا النوع من الأدب.
إن مسؤوليّة ارتقاء مستوى أدب الأطفال عندنا لا تقع على الكاتب والرسام فقط، بل على الناشر أيضًا واختياره للنّصوص التي تستحقّ النّشر، وعلى الدّعم الماديّ الذي تقدّمه الوزارات المعنيّة لتحسين مستوى الإنتاج وخفض ثمن الكتاب. فمن المؤسف ألا يكون الكتاب في متناول كل طفل مهما كانت أحوال أسرته الماديّة.
عَمَلي ليس سهلاً ولا مسليًا ولا cute ولا بسيطًا...
ككاتبة متخصّصة بأدب الأطفال، أحمِل رسالةً جدّية أحاول إيصالها من خلال قصص ونصوص أستوحيها من احتكاكي بالطفل ومن ذكرياتي كطفلة ومن معلوماتي العلميّة التي اكتسبتها في دراساتي الجامعية. رسالتي هي وضع مجموعة من كتب الأطفال بين أيدي الطفل، منذ أن يولد إلى أن يبلغ الثّماني سنوات. فهذه الأعوام هي الأهم في تربية الطفل وفي نمو شخصيته وتعلّقه بالكتاب وبالمطالعة.
يجب على هذه المجموعة أن تستجيب إلى حاجات الأطفال المختلفة بأسلوب يتناسب مع الفئة العمرية التي تتوجَّه إليها، وبمواضيع تتلاءم مع الحالات النفسيّة التي يمرّ بها الطفل. هكذا تصل الرسالة!
الطريق إلى مواكبة أدب الأطفال العالمي طويل، ولكن بالعمل الجدّي وبتثقيف ذواتنا ككتّاب ورسّامين وناشرين سوف نتمكّن من إيصال مستوى أدب الطّفل في العالم العربي إلى مستوى أدب الطفل في العالم.